اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )

375

تاريخ الأدب الجغرافي العربي

فقد أهم الراهب قبل كل شئ بالمسائل المتعلقة بالعبادة ، ولكنه قوى الملاحظة شديد الانتباه ينعكس في وصفه طابع الجدة الذي نلتقى به عادة لدى الإنسان القادم من بيئة مغايرة . ومن الجلى أن مصنفات ابن العبري وسيرة حياة ماريا باللاها قد تم تأليفها في وسط نصراني بحت وفيه انتشرت وعرفت من دون أن يكون لها أثر كبير في التطور العام للأدب العربي ؛ غير أن المصنفات العربية لابن العبري لم تقتصر قراءتها على الوسط النصراني وحده ، وقد رأينا كيف أن مصنفاته السريانية نفسها قد ترجمت إلى العربية ؛ أما سيرة ماريا باللاها الثالث فقد وجدت بدورها طريقا ولو في صورة موجزة إلى مصنف عربى للقرن الرابع عشر يعرف باسم « كتاب المجدل » 141 إزاء كل هذا فمن العسير القول بحدوث تدهور في الأدب الجغرافي في القرن الثالث عشر ؛ حقا إنه لم يشق طرقا جديدة أو يبتدع أنماطا لم تعرف من قبل ولكنه بلغ الأوج في بعضها مثل الكوزموغرافيا . وسيقابلنا في القرن الرابع عشر التالي لهذا ازدهار نمط جديد هو نمط الموسوعات الكبيرة التي يفرد فيها للجغرافيا مكان هام . أما من حيث الكم فقد ظل الأدب الجغرافي حافلا بمؤلفاته إلى بداية نهضة الأدب العربي في القرن التاسع عشر . بيد أن النتيجة الحتمية للغزو المغولي كانت في أن فقدت اللغة العربية سيطرتها نهائيا على المشرق واحتلت مكانها هناك اللغة الفارسية التي أخذت تظهر بها ابتداء من هذا العصر بالذات مصنفات تاريخية وجغرافية تمثل قمة الإنتاج الأدبي بالنسبة لعصرها في جميع أقطار العالم الإسلامي . ومن الملاحظ في القرن الرابع عشر أن المصنفات العربية الكبرى في هذا المجال قد ظهرت بالشام ومصر اللتين احتفظتا بقصب السبق حتى العصر الحديث تقريبا هذا بينما توقفت العراق عن أن تلعب أي دور ذي بال في هذا الميدان .